الشيخ محمد النهاوندي

177

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

من عباده المؤمنين وَاللَّهُ العظيم ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ والإحسان الجسيم . في الرّد على الأشاعرة ثمّ لا يخفى أنّ استحقاق الأجر بالعمل لا يوجب على اللّه إعطاء الجنة بهذه الصفة ، فإعطاؤها فضل من اللّه ، مع أنّ الفضل لا يكون إلّا في المحلّ القابل ، والمراد بالاستحقاق القابلية التي لا يجوز البخل مع وجودها ، وبالوجوب على اللّه كونه مقتضى الحكمة التي هي وضع الشيء في موضعه ، فظهر أنّ استدلال الأشاعرة بالآية على عدم استحقاق العبد على اللّه شيئا - وأنّ كلّما يعطي اللّه بإزاء العمل تفضّل منه تعالى ، يجوز له في حكم العقل منعه والبخل به - فاسد جدّا . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 22 إلى 23 ] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) ثمّ لمّا كان الحزن على الأمور الدنيوية والفرح بها شاغلا للقلب عن الإقبال على العبادة والتوجّه إلى الآخرة ، نبّه سبحانه على أنّ الحوادث كلّها بتقدير اللّه بقوله : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ولا حدث عن حادث فِي الْأَرْضِ من قحط أو فساد وَلا عارضة فِي أَنْفُسِكُمْ من « 1 » المرض والجرح والصحّة والغنى والفقر وغيرها إِلَّا وهو مكتوب فِي كِتابٍ مكنون ولوح محفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نخلق هذه الحوادث و نَبْرَأَها ونوجدها . وقيل : يعني من قبل أن نوجد الأنفس ، أو نوجد الأرض « 2 » . عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « أنّ ملك الأرحام يكتب كلّ ما يصيب الانسان في الدنيا بين عينيه ، فذلك قول اللّه عز وجل : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ الآية « 3 » . عن الصادق عليه السّلام في رواية : « كتابه في السماء علمه [ بها ] ، وكتابه في الأرض علومنا في ليلة القدر وفي غيرها » « 4 » . إِنَّ ذلِكَ المذكور من كتب الحوادث من الخير والشرّ قبل إيجادهما عَلَى اللَّهِ العالم بالأمور يَسِيرٌ وسهل ، وذلك التقدير وكتب المقدرات قبل وجودها والإخبار بها لِكَيْلا تَأْسَوْا ولأجل أن لا تحزنوا عَلى ما فاتَكُمْ ولم يقبل إليكم ، أو ذهب منكم من النّعم الدنيوية كالمال والجاه

--> ( 1 ) . زاد في النسخة : الفقر و . ( 2 ) . تفسير الرازي 29 : 237 . ( 3 ) . علل الشرائع : 95 / 4 ، تفسير الصافي 5 : 138 . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 351 ، تفسير الصافي 5 : 137 .